الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

299

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

اسْتَوْقَدَ ناراً [ البقرة : 17 ] . و الَّذِينَ خَلَوْا هم الأمم الذين مضوا وانقرضوا وأصل خَلَوْا خلا منهم المكان فبولغ في إسناد الفعل فأسند إليهم ما هو من صفات مكانهم . و مِنْ قَبْلِكُمْ متعلق بخلوا لمجرد البيان وقصد إظهار الملابسة بين الفريقين . والمس حقيقته : اتصال الجسم بجسم آخر وهو مجاز في إصابة الشيء وحلوله ، فمنه مس الشيطان أي حلول ضر الجنة بالعقل ، ومسّ سقر : ما يصيب من نارها ، ومسّه الفقر والضر : إذا حل به ، وأكثر ما يطلق في إصابة الشر قال تعالى : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا [ الزمر : 8 ] وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا [ يونس : 12 ] وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ [ فصلت : 51 ] وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ * [ الأعراف : 73 ] فالمعنى هنا : حلت بهم البأساء والضراء . وقد تقدم القول في البأساء والضراء عند قوله تعالى : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ [ البقرة : 177 ] . وقوله : وَزُلْزِلُوا أي أزعجوا أو اضطربوا ، وإنما الذي اضطرب نظام معيشتهم ، قال تعالى : هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً [ الأحزاب : 11 ] ، والزلزلة تحرك الجسم من مكانه بشدة ، ومنه زلزال الأرض ، فوزن زلزل فعفل ، والتضعيف فيه دال على تكرر الفعل كما قال تعالى : فَكُبْكِبُوا فِيها [ الشعراء : 94 ] وقالوا لملم بالمكان إذا نزل به نزول إقامة . و حَتَّى غاية للمس والزلزال ، أي بلغ بهم الأمر إلى غاية يقول عندها الرسول والذين معه متى نصر اللّه . ولما كانت الآية مخبرة عن مسّ حل بمن تقدم من الأمم ومنذرة بحلول مثله بالمخاطبين وقت نزول الآية ، جاز في فعل يقول أن يعتبر قول رسول أمة سابقة أي زلزلوا حتى يقول رسول المزلزلين فأل للعهد ، أو حتى يقول كلّ رسول لأمة سبقت فتكون أل للاستغراق ، فيكون الفعل محكيا به تلك الحالة العجيبة فيرفع بعد حتى ؛ لأن الفعل المراد به الحال يكون مرفوعا ، وبرفع الفعل قرأ نافع وأبو جعفر ، وجاز فيه أن يعتبر قول رسول المخاطبين عليه السلام فأل فيه للعهد والمعنى : وزلزلوا وتزلزلون مثلهم حتى يقول الرسول فيكون الفعل منصوبا ؛ لأن القول لمّا يقع وقتئذ ، وبذلك قرأ بقية العشرة ، فقراءة الرفع أنسب بظاهر السياق وقراءة النصب أنسب بالغرض المسوق له الكلام ، وبكلتا